الشيخ محمد رشيد رضا
51
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى بقتلهم كانوا يدعون عوام الناس وجهالهم سرا كما يفعله الساعة كثير ممن يدعي ذلك مع النساء والاحداث الاغمار والجهال الحشو « وكانوا يدعون من يعملون له ذلك إلى تصديق قولهم والاعتراف بصحته . والمصدق لهم بذلك يكفر من وجوه ( أحدها ) التصديق بوجوب تعظيم الكواكب وتسميتها آلهة ( والثاني ) اعترافه بأن الكواكب تقدر على ضره ونفعه ( والثالث ) ان السحرة تقدر على مثل معجزات الأنبياء عليهم السّلام . فبعث اللّه إليهم ملكين يبينان للناس حقيقة ما يدعون ، وبطلان ما يذكرون ، ويكشفان لهم ما به يموهون ، ويخبر انهم بمعاني تلك الرقى وانها شرك وكفر ، وبحيلهم التي كانوا يتوصلون بها إلى التمويه على العامة ، ويظهر ان لهم حقائقها ، وينهيانهم عن قبولها والعمل بها ، بقولهما ( انما نحن فتنة فلا تكفر ) فهذا أصل سحر بابل ومع ذلك فقد كانوا يستعملون سائر وجوه السحر والحيل التي نذكرها ويموهون بها على العامة ويعزونها إلى فعل الكواكب لئلا يبحث عنها ويسلمها لهم « فمن ضروب السحر كثير من التخيلات التي مظهرها على خلاف حقائقها ( فمنها ) ما يعرفه الناس بجريان العادة بها وظهورها ومنها ما يخفى ويلطف ، ولا يعرف حقيقته ومعنى باطنه الا من تعاطي معرفة ذلك ، لان كل علم لا بد أن يشتمل على جلي وخفي وظاهر وغامض ، فالجلي منه يعرفه كل من رآه وسمعه من العقلاء والغامض الخفي لا يعرفه الا أهله ومن تعاطى معرفته وتكلف فعله والبحث عنه وذلك نحو ما يتخيل راكب السفينة إذا سارت في النهر فيرى ان الشط بما عليه من النخل والبنيان سائر معه ، وكما يرى القمر في مهب الشمال يسير للغيم في مهب الجنوب ، وكدوران الدوّامة فيها الشامة فيراها كالطوق المستدير في ارجائها ، وكذلك يرى هذا في الرحى إذا كانت سريعة الدوران ، وكالعود في طرفه الجمرة إذا أداره مديره رأى تلك النار التي في طرفه كالطوق المستدير ، وكالعنبة التي يراها في قدح فيه ماء كالخوخة والاجاصة عظما ، وكالشخص الصغير يراه في الضباب عظيما جسيما ، وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيما فإذا فارقته وارتفعت صغرت ، وكما